الفرج بعد الشدة ...الإبداع في التحقيق عبود الشالجي
الفرج بعد الشدة للقاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي (ت 384 هـ)
الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانًا، وبالسيئات غفرانًا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً، والحمد لله الذي يكشف ضرّنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي
هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا
الكتاب من الكتب التي لا تكاد تُضعُه من يدك، خصوصًا لمن يمرّ بما مرّ به التنوخي من تصرّف يد الزمان وتقلّب الأحوال من يُسرٍ إلى شدة، ومن شدةٍ إلى فرج. وقد ألّفه التنوخي إثر نكبةٍ أصابته — وما أكثر النكبات في زمانه — والكتابُ يوثّق بداية عصر الانحدار والمهازل التي حدثت في تلك الحقبة التي لا شك أننا لا نزال نعيش توابعها. وهو في رأيي موردٌ مهم لدراسة التاريخ، والإجابةِ على سؤال: لماذا تأخّر المسلمون؟
صنّف التنوخي الكتابَ على أربعة عشر بابًا، والكتابُ موردٌ أدبي عظيم، لا سيما الأدب في العصر العباسي؛ إذ هو مشحون بآلاف الأبيات ونحو 492 قصة. ومن عيوب الكتاب ما ذكره التنوخي في باب «من شارف الموتَ بحيوانٍ مُهلِكٍ رآه فكفّ الله ذلك بلطفه ونجّاه»، فقد روى من الأخبار والعجائب أشياءَ ينكرها العقل والعلم في زماننا. والرجل — رغم أنه معتزلي ينسبه البعض إلى التشيّع — نراه يروي عن ابن أبي الدنيا الحنبلي ويصفه بالحافظ.
ومن الأمور العجيبة ما نقله المحقق من «نشوار المحاضرة» عن لقاء التنوخي بالمتنبي وسؤاله إياه عن نسبه وعن نسبته «المتنبي». وكذلك من الفوائد الكثيرة التي ذكرها الشالجي في تعليقه على اعتقاد التنوخي في التنجيم: «ولعلّ عدم الاستقرار الذي رافق القرن الرابع الهجري كان من الأسباب التي دفعت التنوخي وأباه إلى الاعتقاد بالتنجيم والعيافة والزجر وغيرها، تمسّكًا يتمسّك به الإنسان، رغبةً منه في الفرار من الحقيقة المرة إلى خيالٍ يبشّر بمستقبلٍ أطيبَ من حاضرٍ لا خير فيه.
تحقيق القاضي والمحامي العراقي عبود الشالجي
عمل المحقق في الكتاب عملٌ متقن يدل على سعة الاطلاع والمعرفة، وعمله على هذا الكتاب من الأعمال القليلة التي لا نظير لها. ويدل على أن الرجل متقنٌ لعمله محبٌّ له أنه بدأ بتحقيق «نشوار المحاضرة» للمؤلف نفسه، ثم انتقل إلى «الفرج بعد الشدة»، واعتنى بإخراجه في أحسن صورة، وسطّر حواشيَ على الكتاب تدل على علمٍ وأدبٍ وحبٍّ للمادة، حتى إنه حوّل أحد الحواشي إلى موسوعة في ستة مجلدات بناها على حاشيةٍ له في الكتاب أسماها «موسوعة العذاب». إلا أن الكمال لله؛ فالكتاب فيه جملةٌ من الأحاديث والآثار التي تحتاج إلى التمحيص والحكم عليها. أيضًا من الأمور الجميلة في عمل المحقق أننا نرى في الحواشي عبودَ الشالجي القاضي والبغداديَّ المحبَّ لبغداد، الذي يتتبع الآثار والعادات وما طرأ عليها من التغيير وما بقيت عليه منذ أكثر من ألف عام.
الكتاب يقع في خمسة مجلدات ونحو 1745 صفحة غير الفهارس — طبعة دار صادر.
وخلاصة القول: الكتاب جميل ومن عيون الأدب، وأنا أستغرب أن أحدًا لم يكتب في هذا الباب من المعاصرين بعد كل هذه السنين، مع ما مرّ بالناس من قصص وعجائب يسهل توثيقها، وانفتاح الثقافات على بعضها في هذه الأيام، وانتشار كتب السير الذاتية! نسأل الله أن يفرّج هموم المهمومين، وينفّس كرب المكروبين، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال

تعليقات
إرسال تعليق